الشيخ محمد رشيد رضا

495

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

آنفا ، وترجيح جميع العلماء روايات جهة المشرق دليل على أنه ليس في بحر الشام ولا بحر اليمن لأن الشام في جهة الشمال من المدينة واليمن في جهة الجنوب منها فلا شيء منهما بمشرق . قال الطيبي : لما تيقن عليه السّلام بالوحي أنه من قبل المشرق نفي الأولين ، وظاهر العبارة يدل على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صدق تميما في أول الأمر ولذلك قال « ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن » بالتأكيد بان والبدء بأداة الاستفتاح « ألا » ثم كوشف في موقفه بأنه ليس في هذا ولا ذاك ، بل في جهة المشرق ( 7 ) ههنا يجيء اشكال آخر وهو أن نفي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لبعض قول تميم يبطل الثقة به كله ، ويحصر عجبه صلّى اللّه عليه وسلّم في شيء واحد منه لا يعرف بالرأي وهو موافقته لما سبق إخباره به صلّى اللّه عليه وسلّم من ظهور الدجال وكونه لا يدخل مكة ولا المدينة . وإن بقي الاعجاب مما ذكر منه في محله ، وقد يتفصون من هذا بأن الدجال كان قبل اسلام تميم وحديثه قد خرج من تلك الجزيرة التي رآه فيها فذهب إلى أصبهان أو غيرها من المشرق ، ويرده ان ما نقله عنه تميم صريح فيما ينافي ذلك وهو أن وثاقه الشديد انما يحل عند الاذن له في الخروج وأنه صار قريبا بعد ظهور العلامات التي ذكرها قال : اني أنا المسيح واني أوشك ان يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمتان علي ألخ فعطفه الخروج على الاذن بالفاء والسير على الخروج بالفاء نص في أنهما على التعقيب لا فاصل بين هذه ولا تلك ، والأقرب إلى الخروج من كل هذه المشكلات أن تكون الرواية مصنوعة . ( 8 ) ننتقل من هذا المبحث إلى مبحث قوي الصلة به وهو إذا لم نعد ما فيه من نفي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما أثبته تميم من وجود الدجال في أحد البحرين وفاقا للعلامة الطيبي الشهير - فهل يجب أن تكون حكايته صلّى اللّه عليه وسلّم لما حدثه به تميم تصديقا له ؟ وهل كان ( ص ) معصوما من تصديق كل كاذب في خبر فيعد تصديقه لحكاية تميم دليلا على صدقه فيها ؟ ويعد ما يرد عليها من إشكال واردا على حديث له حكم المرفوع ؟ وفي معناه إقراره صلّى اللّه عليه وسلّم لعمر على حلفه بأن ابن صياد هو الدجال كما تقدم إن ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا فالمجمع عليه هو العصمة في التبليغ عن